السيد علي الطباطبائي

480

رياض المسائل ( ط . ق )

في ذلك الصحيح جعلت فداك إن رجلا من مواليك بلغه أن رجلا يعطي سيفا وفرسا في سبيل اللَّه فأتاه فأخذها منه ثم لقيه أصحابه وأخبروه أن السبيل مع هؤلاء لا يجوز فأمروه بردهما قال فليفعل قال قد طلب الرجل فلم يجده وقيل له قد شخص الرجل قال فليرابطه ولا يقاتل قلت مثل قزوين وعسقلان والديلم وما أشبه هذه الثغور قال نعم قال فإن جاء العدو إلى الموضع الذي هو فيه مرابط كيف يصنع قال يقاتل عن بيضة الإسلام قال يجاهد قال لا إلا أن يخاف على ذراري المسلمين أرأيتك لو أن الروم دخلوا على المسلمين لم ينبغي لهم أن يمنعوهم قال يربط ولا يقاتل قال فإن خاف على بيضة الإسلام والمسلمين قاتل فيكون قتاله لنفسه لا للسلطان لأن في دروس الإسلام دروس ذكر محمد ص وهو صريح في جواز المرابطة في زمان عدم بسط يد الإمام والغيبة لتضمنه الأمر بها حينئذ وأقله الجواز وإن لم نقل الاستحباب وحيث ثبت الجواز ثبت الاستحباب لفتوى أكثر الأصحاب بناء على التسامح في أدلة السنن حيث لا يحتمل فيها ضرر كما هنا على ما فرضناه ولا ينافيه الأمر برد المال في صدره بناء على أن الظاهر أن الباذل له من هؤلاء كما صرح به في خبر آخر ومراده من سبيل اللَّه الجهاد الجائز عندهم مع حكامهم فلذا أمر بالرد ولعدم جواز الجهاد معهم عندنا والمال لما كان مشروطا به لم يبح إلا به ولما لم يجز وجب الرد ولما فرض السائل عدم إمكان الرد أباحه له ع بشرط الرباط بدله فإنه أقرب إلى مقصود الباذل من صرفه في سائر وجوه البر فما يعزى إلى الشيخ والقاضي من عدم استحباب المرابطة زمن الغيبة لا وجه له مع أنهما أفتيا بمضمون الرواية فلعلهما أرادا منها ما ذكرنا في معناها وإن أرادا فذكر لفظ المرابطة بحملها على المرابطة الغير المشروعة التي تتضمن القتال والجهاد مع هؤلاء الفجرة كما هو الغالب في زمن الغيبة ومن هنا يظهر وجه تفاوت استحبابها في زمن الحضور والغيبة بالتأكد في الأول لعدم الخلاف فيه حينئذ فتوى ورواية دون الثاني لوجوده فيه أو احتماله فتوى بل ورواية مع أن عبارة السرائر صريحة في عدم وجوبه بالاستحباب بل ظاهر مساق عبارته العدم ومن هنا يظهر ما في حكم جملة منهم بتأكد الاستحباب في الحالين ولو عجز عن المرابطة بنفسه جاز أن يربط فرسه أو غلامه هناك أي في الثغر لينتفع به المرابطون وجاز بذلك الثواب لإعانته على البر وهو في معنى الإباحة لهما على هذا وظاهر العبارة هنا وفي السرائر والتحرير والمنتهى اشتراط العجز عنها ومقتضى الدليل العموم كما في اللمعة وشرحها وهو الأقوى ولو نذر المرابطة وجبت مع وجود الإمام ع اتفاقا وكذا مع فقده عندنا كما في السرائر مؤذنا بدعوى الإجماع عليه لأنه طاعة كما مضى وقد نذرها فيجب عليه الوفاء لعموم الأدلة بلزوم الوفاء بالنذر كتابا وسنة وكذا لو نذر أن يصرف شيئا إلى المرابطين لإعانتهم وجب عليه الوفاء به مطلقا وإن لم ينذره ظاهرا أو لم يخف الشنعة بتركه لعلم المخالف بالنذر ونحوه ولا يجوز صرف ذلك أي المنذور في غيرها أي غير المرابطة من وجوه البر إجماعا مع ظهور الإمام وبسط يده كما في المختلف وكذا مع غيبته وخوف الشنعة بتركه اتفاقا وفي غيرهما كذلك أيضا على الأشبه الأشهر بل عليه عامة من تأخر وفاقا للحلي لما مر من عموم لزوم الوفاء بالنذر بناء على صحته هنا كما مر ويقابل الأشبه قول الشيخ والقاضي بجواز صرفه في وجوه البر حينئذ للخبر إن كان سمع منك نذرك أحد من المخالفين فالوفاء به إن كنت تخاف شنعته وإلا فاصرف ما نويت من ذلك في أبواب البر ويضعف أولا بأنها مكاتبة وذلك موجب لضعفها وثانيا بجهالة السائل وثالثا بمخالفة الأصول لأن النذر إن كان صحيحا وجب الوفاء به وإلا كان باطلا لا أنه يصرف في وجوه البر أقول ولولا الشهرة العظيمة بين الأصحاب المرجحة لعموم أدلة النذر لأمكن الجواب عن جميع ذلك ولكن بعدها فلتطرح أو تحمل على مرابط لا يسوغ صرف النذر إليه كما هو الغالب زمن الغيبة لا مطلق المرابط أو على نذر بغير لفظ بل بمجرد نية وقصد كما هو الغالب في نذر العوام فيما نشاهد في زماننا الآن وربما يشير إليه قوله ع اصرف ما نويت من ذلك ولم يقل ما نذرت فتدبر ويحمل الأمر فيه بصرفه في وجوه البر على التقديرين على الاستحباب وكذا من أخذ من غيره شيئا على وجه الجعالة أو الإجارة ليرابط له لم يجب عليه أي على الآخذ إعادته أي الشيء على ذلك الغير وإن وجده أي ذلك الغير جاز له المرابطة فيما إذا كان الأخذ على جهة الجعالة أو وجبت فيما إذا كان على جهة الإجارة مطلقا ولو كان الإمام غائبا على الأشهر الأقوى لنحو ما مضى في المسألة السابقة خلافا للشيخ والقاضي فأوجبا عليه الرد على باذله إجارة أو جعالة مع إمكانه وإلا فليرابط ولعل مستندهما نحو الصحيح الماضي هو مع الجواب ولا وجه لإعادته [ الثاني فيمن يجب جهاده ] النظر الثاني في بيان من يجب جهاده وهم ثلاثة [ الأول البغاة ] الأول البغاة جمع باغ وهو من خرج على المعصوم من الأئمة كما يستفاد من النص وكلمات القوم ومنها قوله يجب قتال من خرج على إمام عادل بالإجماع الظاهر المصرح به في عبائر بعد الكتاب والسنة قال اللَّه سبحانه وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ وفي النبوي من أعطى إماما صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنقه وفي الخاصي الصادق ع بعث اللَّه تعالى محمدا بخمسة أسياف ثلاثة منها شاهرة لا تعمد إلا أن تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها إلى أن قال سيف منها مكفوف وسيف منها مغمور سله إلى غيرنا وحكمه إلينا إلى أن قال وأما السيف المكفوف على أهل البغي والتأويل قال اللَّه تعالى وذكر الآية ثم قال فلما نزلت قال رسول اللَّه ص إن منكم من يقاتل بعدي على التأويل كما قاتلت عن التنزيل فسئل ع من هو قال هو خاصف النعل يعني أمير المؤمنين ع قال عمار بن ياسر قاتلت بهذه الرواية مع رسول اللَّه ص ثلاثا وهذه الرابعة واللَّه لو ضربوا حتى يبلغونا السعفات من هجر لعلمنا أنا على الحق وأنهم على الباطل وكانت السيرة من أمير المؤمنين ع ما كان من رسول اللَّه ص إلى أهل مكة يوم فتح مكة فإنه لم يسب لهم ذرية وقال من أغلق بابه وألقى سلاحه أو دخل دار أبي سفيان فهو آمن وكذلك قال أمير المؤمنين ع فيهم لا تسبوا لهم